ابن كثير

5

البداية والنهاية

بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة فيها كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى . استهلت هذه السنة وهو في غاية الصحة والسلامة ، وخرج هو وأخوه العادل إلى الصيد شرقي دمشق ، وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج يسير هو إلى بلاد الروم ، ويبعث أخاه إلى بغداد ، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا إلى بلاد آذربيجان ، بلاد العجم ، فإنه ليس دونها أحد يمانع عنها ، فلما قدم الحجيج في يوم الاثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم ، وكان معه ابن أخيه سيف الاسلام ، صاحب اليمن ، فأكرمه والتزمه ، وعاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد ، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا ، ثم إنه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر ، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شداد وابنه الأفضل ، فأخذ يشكو إليهم كثرة قلقه البارحة ، وطاب له الحديث ، وطال مجلسهم عنده ، ثم تزايد به المرض واستمر ، وقصده الأطباء في اليوم الرابع ، ثم اعتراه يبس وحصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض ، ثم قوي اليبس فأحضر الامراء الأكابر فبويع لولده الأفضل نور الدين علي ، وكان نائبا على دمشق ، وذلك عندما ظهرت مخايل الضعف الشديد ، وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات ، وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال الفاضل وابن شداد وقاضي البلد ابن الزكي ، ثم اشتد به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر ، واستدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جد به الامر ، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في الغمرات فقرأ ( هو الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ) [ الحشر : 22 ] فقال : وهو كذلك صحيح . فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق ، فلما قرأ القارئ ( لا إله إلا هو عليه توكلت ) [ التوبة : 129 ] تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه